قطب الدين الراوندي

39

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أي مكبرا ، أي أنشأ الخلق قادرا عليهم ، وليس تأثيره فيهم تأثير العلل وانما أثره أثر القادرين ، ليس على سبيل الايجاب بل على طريق الاختبار . وقوله « نشر الرياح برحمته » أي وسعها طويلة . وأصله من نشرت الكتاب خلاف طويته . ويعتبرون في صفة الريح النشر إذا كان فيها خير لا شر معه ، كالرياح الملقحات التي ينشرها اللَّه ، فتكون سببها الأنوار والأزهار والفواكه والثمار ، وكالتأثيرات رياح الرحمة ينتشرون السحاب في الجو ، فتكون منه الأمطار والرياح تجمع قطع السحاب من المواضع المختلفة حتى إذا اتصل السحاب أنزلت الأقطار . وفي الخبر : اللهم اجعلها رياحا لا تجعلها ريحا ( 1 ) . وهذا إشارة إلى عرف العرب في ذلك ، فإنهم يقولون ريح العذاب ورياح الرحمة ، وبه نزل القرآن ، قال اللَّه تعالى « رِيحاً صَرْصَراً » ( 2 ) الريح العقيم وتنشر الرياح ترسل الرياح . وهذا ايماء إلى أن ثواب اللَّه مزيد مضاعف على المستحق وعقاب اللَّه مقصور على الاستحقاق ، فلذلك جمع ما فيه النعمة وأفرد ما معه النقمة . و « برحمته » أيضا حال ، والرحمة من اللَّه انعام وافضال ومن الآدميين رقة في القلب تقتضي الاحسان إلى المرحوم ، يقال رحم يرحم إذا رق وتعطَّف . ونحوها الغضب ، فإنه في الواحد منا تغيّر يقتضي عذاب الغير ومن اللَّه الغضب على الكفار إرادة انزال العقاب بهم ، فيحمل على المسبب في الموضعين دون السبب .

--> ( 1 ) راجع مجمع البحرين « روح » . وقال فيه : وعلَّل بأن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب فكثر المطر والخير والزرع والثمار ، وإذا كانت ريحا واحدة فإنها ربما يكون عقيما أو صرصرا فلا تلقح . ( 2 ) سورة فصلت : 16 ، سورة القمر : 19 .